ابن قيم الجوزية

654

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا . وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال : 28 : 54 أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ . وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . وتأمل حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ ضربه قومه حتى أدموه . فجعل يسلت الدم عنه ، ويقول « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان ، قابل بها إساءتهم العظيمة إليه ؟ . أحدها : عفوه عنهم . والثاني : استغفاره لهم . والثالث : اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون . والرابع : استعطافه لهم بإضافتهم إليه . فقال « اغفر لقومي » كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به . هذا ولدي : هذا غلامي . هذا صاحبي ، فهبه لي . واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ، ويطيبه إليها وينعمها به . اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين اللّه ، تخاف عواقبها ، وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك . ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة ، حتى ينعم عليك ويكرمك ، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله . فإذا كنت ترجو هذا من ربك ، وتحب أن يقابل به إساءتك ، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه ، وتقابل به إساءتهم ؟ ليعاملك اللّه تلك المعاملة . فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل اللّه معك في ذنوبك وإساءتك ، جزاء وفاقا . فانتقم بعد ذلك ، أو اعف ، وأحسن أو اترك . فكما تدين تدان ، وكما تفعل مع عباده يفعل معك . فمن تصور هذا المعنى ، وشغل به فكره . هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه .